http://www.echoroukonline.com/ara/dossiers/editorial/38966.html
من أجل تفعيل المصالحة الوطنية
مصطفى فرحات
قطعت الجزائر أشواطا كبيرة في مسار المصالحة الوطنية، وأثمرت جهود أطراف عديدة في إقناع كثير من المسلحين بالنزول من الجبال والرجوع إلى أحضان المجتمع، وساهمت الإرادة الشعبية الكبيرة في الخروج من نفق الأزمة الدموية التي عاشتها الجزائر بإعلان موقفها الداعم للمصالحة والرافض لسياسة الكل الأمني وثقافة الرعب والعنف والعنف المضاد.
غير أن هذا المسعى الذي تبناه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة واعتبره محور عُهده الثلاثة، وزكاه الشعب الجزائري ورأى فيه طريق الخلاص، وأمّل فيه كثيرٌ ممن أخطأ السبيل ورفع السلاح في وجه بلده وإخوانه لكي يعودوا إلى أحضان بلدهم وشعبهم، لم يخرجْ بعدُ من دائرة الشعار والهالة الإعلامية المحيطة به ليتجسد على أرض الواقع بما يُساهم في منع إراقة الدماء وإقناع المترددين بترك الفتنة ونبذ العنف والاحتكام إلى الشريعة الإسلامية والمنطق الصائب والمصلحة الواضحة.
المصالحة الوطنية تبنّاها الجميع، حكومة وشعبا، وميثاق السلم والمصالحة كان الخطوة الأولى على هذا الطريق رغم النقائص التي ارتبطت به، لكنّ كلَّ هذا لا يزال مجرّد “كلام” يصطدم بتعسف جهات إدارية نافذة ترفض الانصياع له، مما يؤدي إلى كسر جهود المصالحة كلِّها، ويفتح الباب على أكثر من أزمة تعصف بالجزائر، كما يفتح الباب على أكثر من تساؤل: من المسؤول الفعلي عن عرقلة مسار المصالحة بعدما أصبح خيارا دستوريا وإستراتيجيا ومطلبا شعبيا؟ ومن يقف وراء محاولات كسر الثقة بين السلطة من جهة، والمسلحين الذين تابوا ونزلوا من الجبال مقابل وعود لم ير أكثرهم منها غير سراب يحسبه الظمآن ماء؟
كثيرون من أولئك التائبين اصطدموا بالواقع الذي وجدوا أنفسهم فيه، فبعض الجهات القضائية لا تزال تطاردهم وتجرهم إلى المحاكم، وكثيرون منهم إذا حكم القضاء بإرجاعهم إلى مناصب شغلهم لم يجدوا من يُتابع ملفاتهم ويُحول هذه الأحكام القضائية التي صدرت لصالحهم إلى واقع، وكثيرون منهم لا تزال شهادات سوابقهم العدلية تشير إلى أنهم كانوا فيما مضى “إرهابيين” رغم أنهم وُعدوا بأنهم سيُعاملون وفق قاعدة “عفا الله عمّا سلف”، فمن هي المؤسسة التي تقبل بتوظيف أولئك “الإرهابيين” في وحداتها؟
لا مجال للتراجع اليوم، لاسيما بعدما صارت المصالحة مشروعا وطنيا، ولهذا فإن الحديث عن المأساة الوطنية والضحايا وإيقاف النزيف يجب أن يدفع في اتجاه تسوية حقوق الجميع وتقديم ضمانات تُثبت أن الجزائر تبنت هذا المشروع بكل أبعاده، بما يُعيد الثقة المهزوزة لمن نزلوا من الجبال ووجدوا أنفسهم بين قوانين تكفل حقوقهم وبين إدارة ترفض أن تُعطيها لهم.
لا شيء أخطر على الجزائر اليوم من هذه الازدواجية في الخطاب، لأنها ستفتح الجرح الذي لم يلتئم بعد، وتجعل كل من يرغب في وقف العمل المسلح مترددا، بل رافضا للمصالحة، لأنها لم تكن سوى حبر على ورق، يُستدرج به التائبون ليجدوا أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مُر: وضع اجتماعي مأساوي من جهة، أو حمل السلاح مرة أخرى وتبنِّي ثقافة عدمية ترفع شعار “أنا وبعدي الطوفان” بديلا عن شعارات المصالحة.
